أخبار اليوم - مع استمرار سلطات الاحتلال الإسرائيلي في إغلاق المعابر منذ مطلع مارس الماضي، واشتداد أزمة نقص الدقيق والوقود، لجأت أسر فلسطينية في غزة إلى تجفيف الخبز وتخزينه تحسباً لتفاقم أزمة المجاعة، في خطوة تُعبّر عن استعدادات يائسة لمواجهة سيناريوهات قد تعيد السكان إلى أيام "أكل العلف" خلال الأشهر الأولى من الحرب.
كسرة خبز.. قطعة ذهب
في شقة متهالكة بمنطقة "المخابرات" شمال غزة، تقف أم خالد الدنف (60 عاماً) أمام كومة من الأرغفة المجففة، تفحصها بعناية قبل وضعها في أكياس نايلون بيضاء محكمة الإغلاق.
تقول الأم لثمانية أبناء لـ "فلسطين أون لاين": "بدأتُ قبل أسبوع بشراء أكثر من كيس خبز من المخابز المتبقية، ثم جففته تحت الشمس. عند الحاجة، سنأخذ منه بقدر ما يُسكّن الجوع، لا ما يُشبع". وتضيف: "أخشى أن نعود لأيام المجاعة، حين اضطر الناس إلى أكل علف الحيوانات".
الفكرة نقلتها إليها شقيقتها، أم إيهاب أبو العمرين (55 عاماً)، التي تعيش في منطقة الشاطئ الشمالي، حيث شهدت أسوأ مراحل انقطاع الخبز.
تقول أم إيهاب: "الفكرة بسيطة: تجفيف الخبز جيداً حتى لا يَعفن، وعند الأكل نُبلله بقليل من الماء ونحمصه على نار هادئة". وتشير إلى أن هذه الطريقة تُبقي الخبز صالحاً لأشهر، لكنها تؤكد: "لا أحد يجب أن يصل إلى حالة يُعيد فيها تدوير فضلات طعامه".
وفق برنامج الأغذية العالمي، توقفت المخابز الـ25 المدعومة منه عن العمل بسبب نفاد الدقيق والوقود، مع توقع توزيع "آخر الشحنات الغذائية" خلال اليومين المقبلين.
قبل توقفها، كانت طوابير طويلة تُحيط بتلك المخابز، وسط تدافع أحياناً للحصول على كيس خبز مدعوم بسعر 2 شيكل، قبل أن يُباع في السوق السوداء بأضعاف السعر.
من جهته، قال المكتب الإعلامي الحكومي في غزة إن سلطات الاحتلال "تُعزز سياسة التجويع عبر منع إدخال الطحين والوقود منذ شهر"، مُحذراً من أن القطاع يحتاج يومياً إلى 306 آلاف كغم من الدقيق لتلبية الحد الأدنى من الاحتياجات، بالإضافة إلى الخميرة والسكر.
وأضاف: "(إسرائيل) ترتكب جريمة إبادة جماعية بحق 2.4 مليون إنسان، عبر تجويعهم عمداً لدفعهم إلى الهجرة".
ذاكرة الجوع الأولى
يعود المواطن يوسف حمودة (53 عاماً) بذاكرته إلى الأشهر الأولى للحرب، حين نزح مع عائلته من منطقة الشيخ رضوان إلى أكثر من مكان شمال غزة هرباً من القصف.
يصف تلك الفترة: "كان الخبز أحمراً كالذهب. كنا نسير ساعاتٍ بحثاً عن الطحين، حتى وصلنا إلى دوار النابلسي، حيث قُتل العشرات أمام أعيننا".
ويشير إلى "مجزرة الطحين" التي ارتُكبت في 29 فبراير 2024، حين استهدفت قوات الاحتلال مواطنين كانوا ينتظرون شاحنات الغذاء، ما أسفر عن استشهاد أكثر من 112 شخصاً.
اليوم، تعيد أم خالد الدنف تكرار المشهد بطريقة أخرى: "أجمع حتى كسرات الخبز المتبقية. كل لقمة قد تنقذ حياة".
أما ليلى النجار (48 عاماً) من حي الكرامة شمال غزة، فتقف عاجزة أمام كيس الطحين الأخير في منزلها، الذي "يكفي أسبوعين فقط".
تقول: "زوجي عاطل عن العمل منذ أكتوبر 2023. إذا نفد الطحين، سنضطر إلى شرائه من السوق السوداء بأسعار خيالية".
وتخشى هذه السيدة أن تصل إلى مرحلة "الجوع القاهر"، التي قد تُجبرها على إطعام أطفالها الخمسة "الخبز الفاسد" مرة أخرى.
وسط هذا المشهد، تُوجه النجار نداءً إلى الدول العربية والإسلامية: "لا تتركوا أطفال غزة يموتون جوعاً. الضغط على (إسرائيل) لإدخال المساعدات واجبٌ إنساني وديني وأخلاقي".