الرَّضيع "سند بلبل" .. صوتٌ تشقَّق من أسفل الرُّكام والموت ليعانقَ الحياة

mainThumb
الرَّضيع "سند بلبل".. صوتٌ تشقَّق من أسفل الرُّكام والموت ليعانقَ الحياة

05-04-2025 11:42 AM

printIcon

أخبار اليوم - تشقّق صوته القادم من أسفل الركام، وتسلل من بين الحجارة والأسقف المطبقة عليه، يتشبث الطفل الرضيع سند بلبل بالحياة. تساقطت عليه ثلاثة صواريخ في لحظة قصف الاحتلال مركز إيواء مدرسة "دار الأرقم" بحي التفاح شرق مدينة غزة في المرة الأولى، وتساقطت عليه خمسة صواريخ أخرى حولت المركز إلى كومة من الركام. نام ليلة كاملة أسفلها وبقي خلالها يجلس على دراجة أطفال كان يجلس عليها قبل القصف، في معجزة تتجلى فيها العناية والقدرة الإلهية.

وحيدًا وبعيدًا عن حضن ودفء أمه، التي كانت تكتوي بنار القلق، وفي بقعة مظلمة أسفل ركام هائل، عاش الطفل أهوالًا قاسية بين الظلام والبرد والانفجارات المتتالية التي مسحت المكان بالكامل وأبادت مظاهر الحياة إلا قلبه الذي ظل ينبض. في وقت كانت العائلة تجهز له الكفن بعد محاولات عديدة من البحث المتواصل عنه دون أن يصلوا لأي شيء، كانوا يعتقدون أنه تبخر أو قفز بفعل شدة الانفجارات لأماكن بعيدة.

انتشر كل أفراد العائلة مواصلين البحث بين الركام وفوق منازل الجيران وفي الشوارع المجاورة أسفل كل بقعة. فتشوا في كل متر وشبر من المكان حتى أصابهم اليأس بإمكانية العثور عليه، لكن قلب أمه كان يرفض ذلك السيناريو، وكانت تصر على أنه لا يزال حيًّا، وتطلب من إخوته أن يعودوا للبحث.

تخشى عليه من الجوع والعطش والبرد، وتطلب منهم أن يعيدوه إلى حضنها. كان الطلب في لحظتها بالنسبة لإخوته شيئًا من المستحيل. سؤال يائس "لقيته أشلاء طفل؟ أو طفل شهيد أو عايش؟!" بصوت يائس بعد بحث طويل في كل ركن وزاوية من ركام مدرسة "دار الأرقم" بحي التفاح شرق مدينة غزة، يسأل خال الطفل مالك حسونة الشاب مصعب الددا، الذي كان بدوره يساعد صديقه في البحث عن شقيقته فوق ركن غربي من المكان المدمر.

فمجرد إخباره بعدم العثور على أي طفل، أدار حسونة ظهره وانفلتت دموعه، يهم بالعودة لمنزله المجاور للمدرسة بعد انقطاع آخر الآمال في إمكانية العثور على الطفل حيًّا. لم يتقدم خال الطفل سوى عشرات الأمتار، وقبل أن يتوارى عن الأنظار، تسلل صوت بكاء طفل من أسفل الحجارة التي يقف عليها الددا وصديقه ووصل إلى أذنيه. وضع أذنه عند أقرب نقطة من الحجارة ينصت للصوت القادم من الأسفل، يركز بكل حواسه، يتردد صدى الطفل.

تغمره الصدمة التي شارك فيها صديقه: "شكله في طفل عايش؟!" الذي لم يصدق هو الآخر: "إيش بتقول؟!" عاد لحضن أمه في البيت، يلهو الرضيع "سند" الذي لم يتجاوز عامه الأول على مقعد في بيت عائلته المجاور للمدرسة، ولا يدرك حجم الأهوال التي عاشها ونجا منها. يصفها خاله مالك الذي يجلس بجواره بأنها "معجزة تجلت فيها القدرة الإلهية".

يقول مالك لـ "فلسطين أون لاين": "كان القصف هائلًا، والجثث متناثرة، سادت حالة فوضى كبيرة بسبب التهديد بتكرار القصف. فأخرجت أختي وأولادها وكانوا مصابين، وفقدنا الرضيع سند". ترقد على شفتيه نبرة فرح وتملأ أركان وجهه: "احتسبناه شهيدًا عند الله بعدما فقدنا الأمل في العثور عليه. مع ذلك، جددنا البحث في الصباح التالي وسمعنا صوت بكاء طفل صغير. حفرنا ووجدناه عالقًا بين سقفين، مليئًا بالردم والركام والغبار.

عدت به إلى أمه، وكانت فرحة كبيرة، احتضنته، وقمنا بتغسيله واستبدال ملابسه وإطعامه، بعد ليلة كاملة نام فيها بين الدمار والبرد وظل على قيد الحياة رغم تكرار الاستهداف". تحاول الطفلة إسلام بلبل (12 سنة) هز الرضيع على فخذها في انتظار عودة أمها، وتبادله المناغاة رغم الألم الذي ينخزها من رأسها وجسدها المصاب. تقول: "عندما حدث القصف الأول وافترش الغبار كل أرجاء المدرسة، وتطايرت الجثث وأشلاء الشهداء، أصبت، ونظرت لأمي وجدتها مجروحة ومصابة بحروق في ظهرها.

خرجت وكنت أصرخ على الناس الذين حضروا ونقلوني للمشفى، ولم أرَ إخوتي أو أبي في تلك اللحظة". تلقفت الجدة الرضيع، تضمّه بين ذراعيها وتلهو معه وتجهز له الطعام. أخذت نفسًا عميقًا مليئًا بألم ما عاشته العائلة في البحث والانتظار: "اعتقدنا أننا فقدنا الرضيع واستشهد، وفي الصباح عثر عليه خاله بعد سماع صوت الطفل أثناء البحث عنه، والجميع كبّر وحمد الله أنه عاد حيًّا".

نجا الطفل من الموت بأعجوبة تكفلت العناية الإلهية برعايته، بينما يرقد والده في غرفة العناية المكثفة بحالة خطرة، وتعاني شقيقته الأخرى من إصابة، وتتردد أمه بين البيت والمشفى بسبب آلام الإصابة التي منعتها من رعاية الطفل بعد يوم كامل كان بعيدًا عنها في ظروف صعبة. تأمل الجدة أن يشفى المصابون ويلتئم شمل العائلة ويعيش الطفل في دفء والديه وعائلته من جديد.



فلسطين أون لاين