أخبار اليوم - في أحد أزقة مدينة خان يونس المدمرة، حيث الركام يتناثر في كل مكان، يجلس الطفل علي معمر (9 أعوام) على حافة حائط محطم. عيونه الصغيرة تحمل الألم الذي عجزت الكلمات عن وصفه، بينما يضع يده على صدره يحاول أن يلتقط أنفاسه بين صرخات الطائرات الإسرائيلية التي تعبر السماء. منذ بداية العدوان، لم يعرف عليٌ شيئًا عن اللعب أو الراحة، كل يوم يمر عليه هو صراع للبقاء على قيد الحياة.
كان علي في السابق طفلاً نشيطًا، يحب اللعب مع أصدقائه في الحي، يركض في الأزقة الضيقة، يبتسم ويتبادل النكات معهم. لكن الآن، تغير كل شيء. تحول الحي إلى أطلال منازل مدمرة، وأصبحت الشوارع التي كان يعبرها كل يوم مليئة بالحطام والزجاج المكسور. لم تعد هناك مدارس تفتح أبوابها، بل غدت المواقع التي كانت تعرفها عليٌ بمثابة مناطق حرب، والأبنية التي كان يراها بأعين مليئة بالأمل تحولت إلى أنقاض.
علي وحلم العودة
في هذا الصباح، وبعد أن استفاق عليٌ من نومه على دوي القصف الذي يهز الأرض من حوله، قرر أن يخرج للبحث عن شيء يأكله.
خرج مع بعض أصدقائه في محاولة للوصول إلى المخبز الذي كان يقع في طرف الحي. كان الجميع يذهب هناك على أمل الحصول على رغيف خبز يكفيهم ليوم واحد. رغم أن عليًا اعتاد على الطوابير الطويلة أمام المخابز، إلا أن الوضع اليوم كان مختلفًا. المخبز مغلق؛ بسبب انعدام الوقود اللازم لتشغيله في ظل الحصار وإغلاق المعابر، والكل يسير في الشوارع بعيون متعبة تبحث عن أي شيء يعينهم على البقاء على قيد الحياة.
“أريد أن أعود إلى المدرسة وأرى أصدقائي»، يقول علي لـ«القدس العربي» بصوت خافت وهو ينظر إلى السماء الملبدة بالغبار والدخان.
كانت الكلمة الوحيدة التي يرددها في قلبه هو «العودة». العودة إلى حياةٍ لم يعد يتذكرها جيدًا، حياة كانت مليئة بالأمل والضحك والحب. الآن، لا شيء يبدو كما كان. لم يعد يعرف أين يذهب أو كيف يعيد ترتيب أيامه بين أصوات الموت التي تلاحقه.
“رغد (12 سنة): حياتنا صارت معاناة لا تنتهي”
بينما كان يسير بين الركام، تذكر عليٌ أيامه في المدرسة، تلك اللحظات التي كان يقضيها في تعلم الحروف والأرقام، وهو جالس على مقعده، يرفع يده عندما يريد الإجابة، ويشعر بسعادة غامرة عندما يحل واجبًا دراسيًا. لكن الآن، أصبح التعليم مجرد ذكرى بعيدة، وأصبح أصدقاؤه غائبين بسبب الحرب. البعض منهم مات في القصف، والبعض الآخر فقد أسرته أو نزح بعيدًا.
توقف عليٌ فجأة عند زاوية الشارع، حيث كان الأطفال الآخرون يقفون بجانب برميل ماء يشتكون من قلته، في حين كان هناك أطفال آخرون يحاولون الحصول على رغيف خبز من أحد المخابز التي فتحت أبوابها جزئيًا. جلس بجانبهم، يفكر في كيف أصبح كل شيء مختلفًا، كيف أن حياته الطفولية اختفت خلف أصوات القصف والدخان. في ذلك الصباح، لم يكن هناك سوى الذكريات التي تنزف مع كل جرح، وكل صرخة تسمع في السماء.
بينما كان يمشي عبر الحطام مع أصدقائه، شعر بعبء ثقيل على قلبه. لم يعد هناك شيء يملأ قلبه بالسلام. كانت السماء مليئة بطائرات الاستطلاع التي لا تكف عن التحليق، وأصوات الانفجارات تملأ كل زاوية. لم يعد هناك وقت للفرح أو للأمل. كل لحظة هي صراع للبقاء على قيد الحياة.
طفولة في ظل الإبادة
في صباح الخامس من نيسان / أبريل، حيث يحتفل العالم بيوم الطفل الفلسطيني، يستفيق الأطفال في غزة على واقع مختلف تمامًا. في أزقة المدينة المدمرة، بين الركام الذي كان يومًا منازل دافئة، يواصل الأطفال سيرهم حفاة، يتلمسون طريقهم بين الأنقاض بحثًا عن لقمة تسد جوعهم أو نقطة ماء تروي عطشهم. لا يرفرف في سمائهم علم الفرح الذي ترفعه باقي شعوب العالم في هذا اليوم، بل يحملون أملًا ضئيلًا في غدٍ قد لا يأتي، وأحلامًا سُرقت مع أولى زخات القصف.
ففي قلب هذا العدوان المستمر على غزة، تزداد جراح الأطفال عمقًا كل يوم. ليس فقط على أجسادهم، بل على عوالمهم البريئة التي بدأت تذبل شيئًا فشيئًا.
في كل زاوية من زوايا المدينة المحطمة، تجد الأطفال لا ينفكون عن مشاهدة صور من الألم والدمار، يواجهون واقعًا مفجعًا يجعلهم يتنقلون بين شظايا حياتهم الممزقة، مُتسائلين: كيف يمكن لعالمهم الصغير أن يعود كما كان في ظل هذه الإبادة.
الحرب هنا لا تميز بين طفل وطفل، بل تسلب منهم كل شيء: الأمان، والطفولة، وحتى الحلم. هذه الحرب لا تترك للأطفال سوى الخراب في كل لحظة، حتى في الأيام التي من المفترض أن تكون مليئة بالأمل، مثل يوم الطفل الفلسطيني، يتحول فيها الفرح إلى ذكرى بعيدة، وأحلامهم إلى أنقاض.
من قلب الجحيم
يروي أحمد مسعود، الباحث في المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان، شهادته وهو يعبر عن فزع وحزن شديدين: «منذ بداية العدوان في السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023 وحتى اليوم، فقدنا أكثر من 15 ألف طفل. هذا الرقم ليس مجرد إحصائية؛ إنه صورة مأساوية لجيل كامل يُحرم من أبسط حقوقه. مع هذا الكم الهائل من الضحايا، يجب أن نعي حجم الفاجعة الإنسانية التي نعيشها”.
مع دخول العدوان يومه الـ 550، تزداد معاناة الأطفال، ويظل السؤال الأكثر إلحاحًا: إلى متى سيبقى العالم صامتًا أمام هذه المجازر؟
الأرقام ليست وحدها ما يعبر عن حجم المأساة؛ فالحياة في غزة أصبحت مسرحًا لدراما مريرة. «لقد بُترت أطراف أكثر من 3000 طفل»، يقول أحمد، وهو يوضح لـ«القدس العربي» أن أكثر ما يثير القلق هو غياب الأطراف الصناعية التعويضية لهؤلاء الأطفال، مما يجعلهم يواجهون مستقبل مأساويًا.
ويختتم شهادته: «الأطفال هنا مسروق منهم حق الحياة، لا غذاء، ولا أمان، ولا حتى الحد الأدنى من حقوقهم الأساسية”.
رغد: أتمنى أن تنتهي الحرب
ووسط الدمار، وعلى أبواب المخابز الخاوية، تقف الطفلة رغد سامي (12 عامًا)، وتحكي بصوت يتخلله التعب: «أتمنى أن تنتهي الحرب، حياتنا صارت معاناة لا تنتهي. كل يوم نذهب إلى طوابير المياه، ثم ننتقل إلى التكية لتسول الطعام، وبعد ذلك ننتظر في طوابير الخبز”.
وتضيف لـ«القدس العربي»: «المدارس غير متوفرة لنا، ولم نعد نعرف متى ستنتهي هذه المعاناة. نخشى من الموت في كل لحظة، لكننا لا نملك سوى الأمل البسيط في أن تتوقف هذه الحرب”.
لقد أخذ العدوان من رغد أكثر من مجرد منزل أو أصدقاء؛ لقد سرق منها طفولتها بشكل لم يعد بإمكانها فهمه أو التكيف معه. «أريد أن أذهب إلى مدرستي مرة أخرى، وأريد أن أعيش حياةً طبيعية. لكن الخوف يسيطر على حياتي. نحن لا نعيش بل نجاهد للبقاء على قيد الحياة فقط».
إهانة يومية
أمام محطة تحلية المياه في دير البلح، حيث تصطف العائلات بشكل عشوائي، يقف الطفل محمد إبراهيم، الذي لم يتجاوز الحادية عشرة من عمره، يعبر عن آلامه البسيطة بكلمات تحمل مرارة أكبر من عمره: «أمنيتي الوحيدة أن تنتهي الحرب لكي نعود إلى مدارسنا. كنا نذهب إلى المدرسة ونحن نشعر”.
ويردف لـ«القدس العربي»: «والآن لا نعرف كيف نعيش. نقف في طوابير طويلة للحصول على الماء والخبز، ويعاملوننا بكل قسوة. نحن لا نعرف ما هو معنى الحياة الطبيعية».
محمد الذي اعتاد أن يكون جزءًا من حياة نشطة مليئة بالتعلم واللعب، تحول فجأة إلى طفل يعاني من العنف والذل في كل لحظة. لكن ما يدهش هو أن هذه الصدمة لم تتوقف عند الجوع أو الخوف، بل امتدت إلى قلب محمد، الذي كان يطمح فقط للعودة إلى فصوله الدراسية.
أما الطفلة ليان ضهير، التي لم تبلغ من العمر تسع سنوات بعد، فتعيش كل يوم في حالة من القلق المستمر: «أنا مش قادرة أنام بالليل، كل لحظة أصحو فزعة من أصوات الطيارات والقنابل. دائمًا خائفة”.
وتضيف لـ«القدس العربي»: «حتى عندما آكل أو أحاول أن ألعب. نفسي أرجع إلى مدرستي وأرى أصحابي. نريد أن نعيش مثل باقي الأطفال في العالم”.
جملها القصيرة تحمل في طياتها أعماق الحزن والفقد، وتجسد الألم الذي يعيشه جيل كامل من الأطفال في غزة. في عيون ليان، يختلط الحلم بالواقع، والأمل بالمأساة. لكن ليان ليست وحدها في هذا المعترك الوجودي بين الحروب والآمال المسلوبة. كل طفل في غزة يحمل في قلبه الصرخة نفسها، حلمًا بسيطًا بأن تعود الحياة إلى مجاريها.
آباء مجروحون
أما شهادة والد الطفل آدم النجار، الذي فقد ساقه جراء القصف العشوائي، فهي توضح لنا الألم الأكبر الذي يعاني منه الآباء الذين يشاهدون أطفالهم يتغيرون أمام أعينهم، دون أن يتمكنوا من مساعدتهم: «ابني كان يحب كرة القدم، وكان يحلم أن يصبح لاعبًا مشهورًا. لكن الآن فقد ساقه في القصف. كل يوم يسألني: بابا، متى رجلي ترجع؟ ولكني لا أستطيع أن أجيب”.
ويكمل لـ«القدس العربي»: «طفلي لم يعد كما كان. أصبح حزينًا، صامتًا، لا يريد اللعب أو حتى الخروج من الخيمة. هذه الحرب سرقت منا كل شيء. سرقت حلمه، سرقت طفولته، سرقت الحياة التي كنا نعيشها”.
هذه الكلمات تحمل مأساة من نوع آخر، حيث لا تقتصر الآلام على الجروح الجسدية، بل تمتد إلى الروح، إلى الأحلام التي انتهت قبل أن تتحقق.
جرائم بلا محاسبة
لا يمكن للإنسانية أن تصمت أمام هذا الحجم من الفظائع التي تحدث يوميًا في غزة. في تقارير عديدة، وصفت الأمم المتحدة استهداف الأطفال في غزة أنه «انتهاك جسيم لحقوق الإنسان». في هذا السياق، قالت منظمة اليونيسف: «ما يحدث في غزة هو أحد أسوأ الكوارث الإنسانية التي شهدها العالم. يتم استهداف الأطفال بشكل مباشر في عمليات القصف والحصار”.
وأكدت منظمة العفو الدولية أن «القوات الإسرائيلية تنتهك القانون الدولي الإنساني بشكل ممنهج، عبر استهداف المناطق المدنية دون تمييز، مما يعرّض الأطفال للخطر بصورة غير مسبوقة”. وأضافت المنظمة أن هذه الانتهاكات تشمل القصف العشوائي للمنازل والمدارس، ما أدى إلى مقتل وتشويه الآلاف من الأطفال».
وفي وقت يعجز فيه المجتمع الدولي عن اتخاذ أي إجراءات حاسمة، طالبت المحكمة الجنائية الدولية بفتح تحقيق عاجل في الجرائم التي ترتكب في غزة، مشددة على ضرورة محاسبة المسؤولين عن هذه الفظائع، خصوصًا أولئك الذين استهدفوا الأطفال بشكل مباشر.
ومع دخول العدوان يومه الـ 550، تزداد معاناة الأطفال، ويظل السؤال الأكثر إلحاحًا: إلى متى سيبقى العالم صامتًا أمام هذه المجازر؟
يقول الدكتور رياض الأشقر، الناطق باسم “مركز الأسرى للدراسات” لـ”القدس العربي”: «إسرائيل تنتهك كافة المواثيق الدولية، ولا توجد مساءلة حقيقية. أطفال غزة يعيشون في جحيم يومي، بلا طعام، بلا مدارس، بلا أمان».
ويؤكد أنه «إذا لم يتحرك المجتمع الدولي لمواجهة إبادة وتدمير الأطفال في قطاع غزة، فسنشهد جيلًا كاملًا من الأشخاص المحطمين نفسيًا وجسديًا”.