الموت في انتظار الدَّواء .. معاناة "شلح" بين السَّرطان والحرب

mainThumb
الموت في انتظار الدَّواء.. معاناة "شلح" بين السَّرطان والحرب

05-04-2025 10:19 AM

printIcon

أخبار اليوم - جلس عاطف شلح على كرسيه المتحرك، يحدّق في جدران الغرفة الصغيرة التي بالكاد تكفي أفراد أسرته العشرة، والألم ينهش جسده. لم يعد يقوى على الشكوى، فالصراخ لن يعيد الأدوية التي اختفت من مستشفيات قطاع غزة منذ بدء الحرب الإسرائيلية في السابع من أكتوبر 2023. لم يكن السرطان الذي ينهش جسد الخمسيني شلح الخطر الوحيد الذي يهدد حياته؛ فالحصار والقصف جعلا الألم مضاعفًا، والدواء الذي كان يمنحه بعض الراحة لم يعد متاحًا. لم يكن "عاطف" وحده في هذه المعاناة، فآلاف المرضى في غزة وجدوا أنفسهم بلا علاج بعد تدمير (إسرائيل) مستشفى الصداقة التركي الفلسطيني، المركز الوحيد لعلاج الأورام في القطاع. لم يكن الأمر مجرد استهداف لمبنى طبي، بل كان حكمًا بالإعدام على كل مريض سرطان في غزة، حيث لا دواء، ولا أجهزة علاج، ولا حتى فرصة للسفر خارجًا لتلقي الرعاية اللازمة.

مسكنات طبية يقول محمد قريقع، ابن شقيقة الحاج عاطف، لـ "فلسطين أون لاين" إن خاله كان يتنقل بين ما تبقى من المستشفيات والمراكز الطبية، بحثًا عن أي دواء يمكن أن يخفف أوجاعه. لكن الإجابة من الأطباء كانت دائمًا محبطة: "لا يوجد علاج، ولا حتى مسكنات كافية". ومع مرور الأيام، بدأ جسد الحاج عاطف ينهار أكثر فأكثر، حيث فقد القدرة على المشي، ثم بدأ يفقد القدرة على الكلام، ليصبح أسيرًا للصمت والألم في آنٍ واحد. قبل الحرب، كان عاطف يحصل على علاجه الكيميائي بصعوبة بسبب القيود الإسرائيلية على دخول الأدوية. أما الآن، فلم يعد هناك حتى أمل في الحصول عليه، وأصبح الاعتماد على المسكنات هو الخيار الوحيد، ومع ذلك فإن الأدوية أيضًا في طريقها للنفاد بسبب الحصار ومنع الاحتلال إدخال أي مستلزمات طبية.

نزوح للمجهول مع تصاعد القصف الإسرائيلي على حي الشجاعية في بداية الحرب، اضطر "عاطف" للنزوح مع أسرته نحو الجنوب، حيث قيل لهم إن المنطقة أكثر أمانًا، لكن الأمان في غزة مجرد وهم. بعد أشهر من النزوح القسري، عاد الحاج "عاطف" إلى حي الشجاعية، لكنه لم يجد منزله، إذ تحول إلى حفنة من الركام، شاهدة على الدمار الذي حل بالحي. واضطر للإقامة في غرفة صغيرة بالقرب من مستشفى المعمداني مع عائلته في ظروف قاسية، حيث لا طعام صحي، ولا مياه نظيفة، ولا كهرباء، بينما كان صوته يضعف وجسده يذبل كشمعة تحترق ببطء. يضيف قريقع بحزن: "الألم لا يفارقه، لكنه لم يعد قادرًا حتى على الشكوى، فتحولت الأيام إلى انتظار طويل، انتظار لجرعة دواء لن تأتي، وانتظار لنهاية معاناة لا يبدو أن لها نهاية قريبة".

عالم صامت الحاج "عاطف" ليس وحده في هذه المعاناة؛ فهناك أكثر من 11 ألف مريض بالسرطان في غزة، جميعهم محرومون من حقهم في العلاج بسبب الحصار وإغلاق المعابر. وفقًا لوزارة الصحة في غزة، لم يكتفِ الاحتلال بمنع المرضى من السفر، بل دمر مستشفى الصداقة التركي الفلسطيني بالكامل، وهو المستشفى الوحيد الذي كان يقدم خدمات علاج الأورام. ورغم هذه الجرائم، لا يزال المجتمع الدولي عاجزًا عن اتخاذ موقف حاسم. فالمنظمات الإنسانية تكتفي بالإدانات دون أي إجراءات ملموسة لإجبار (إسرائيل) على السماح بإدخال الأدوية وفتح المعابر أمام المرضى. في ظل هذا الصمت، تستمر معاناة المرضى الذين يواجهون خطر الموت في كل لحظة، سواء بسبب المرض أو القصف المستمر. فمنذ بداية الحرب، لم يكن المرضى وحدهم ضحايا الاحتلال، بل استهدفت قوات الاحتلال الكوادر الطبية، واعتقلت الأطباء، وقصفت المستشفيات، لتجعل العلاج مستحيلًا.




فلسطين أون لاين