أخبار اليوم - بملامح هادئة تُخفي وراءها وجعًا لا يوصف، يحصل عبد الهادي السيد على وجبة الطعام عبر أنبوب طبي خصصه له الأطباء. فالطفل البالغ (13 عامًا) أصابته شظية صاروخ إسرائيلي جعلته غير قادر على تناول الطعام بالطريقة الطبيعية. يرقد عبد الهادي على أسرّة مجمع الشفاء الطبي، بعد سلسلة عمليات أجراها له الأطباء لوقف النزيف الحاد بعد إصابته في قصف إسرائيلي. وكان الطفل قد أصيب مساء أول أيام عيد الفطر، 30 مارس/ آذار 2025، بعد استهداف طائرة حربية بدون طيار مركبة مدنية بجوار مستشفى الحلو الدولي، غربي مدينة غزة.
بحسب شهود عيان تحدثوا لـ "فلسطين أون لاين"، أدى القصف الإسرائيلي إلى استشهاد 5 مواطنين وإصابة العشرات، غالبيتهم من الأطفال. كان عبد الهادي من بينهم، وهو الأصغر بين أشقائه الثلاثة. يقول صبحي السيد، والد الطفل: إن نجله قليل الخروج من المنزل، لكن أحد أصدقائه جاء وطلبه للذهاب إلى محل مجاور مخصص لألعاب الكمبيوتر. لم يتردد الطفل كثيرًا، محاولًا أن يصنع لنفسه أجواء من الرفاهية المفقودة وسط حرب الإبادة التي بدأها جيش الاحتلال يوم 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023. ولم يمضِ على مغادرته المنزل سوى دقائق قليلة حتى سمع دوي انفجار عنيف ناجم عن استهداف المركبة المدنية. وأحالت الغارة الإسرائيلية المشهد في تلك المنطقة إلى أجساد نازفة، وأشلاء متناثرة، وصراخ ونداءات استغاثة قبل أن تصل مركبات الإسعاف سريعًا إلى المكان. "لقد اخترقت الشظية منطقة أعلى الرقبة وحطمت فكه السفلي.
" قال صبحي السيد البالغ (48 عامًا) وهو ينظر بعيون مليئة بالأسى إلى نجله الملقى على ظهره ولا يستطيع أن يُنبس ببنت شفة. "عبد الهادي لم يرتكب ذنبًا. كان يريد اللعب مع أصدقائه. لماذا يقصفون المدنيين ويستهدفون أطفالنا؟" تساءل والد الطفل بصوت مخنوق. في سرير العلاج المكسو بشرشف زهري، يستمع عبد الهادي إلى حديث والده بنظرات جامدة، وكأنه لا يصدق ما حلّ به. يحاول أن يحرك فمه لكنه يعجز، فقد أصيب بتمزقات في الفك والفم جعلته غير قادر على المضغ أو البلع.
لم تقتصر إصابة عبد الهادي على منطقة الفك، بل إن شظايا أخرى كادت أن تذهب بساقه اليمنى لولا عناية الله، لكنها تسببت بجروح عميقة فيها وتحديدًا في منطقة الفخذ. يقول والده: إن الأطباء استطاعوا التعامل مع إصابة الساق بعمليات جراحية لوقف النزيف، وهو ما زال بحاجة إلى تدخلات جراحية أخرى لاحقًا وتعافيه يحتاج أشهرًا. لكن الإصابة الأخطر هي التي في الفك. ونقل لـ"فلسطين أون لاين" إفادة الأطباء بشأن حالة نجله، حيث أكدوا له أن عبد الهادي بحاجة إلى زراعة فك، لكن غزة تفتقد القدرة على إجراء مثل هذه العمليات، ويجب نقله لإكمال العلاج خارج القطاع. ينظر الأب إلى نجله بنظرات يرافقها ابتسامة محاولًا التخفيف عنه.
ابتسامة تخفي وراءها خوفًا على الحالة الصحية لعبد الهادي بعدما تراجعت بشكل ملحوظ على إثر عدم قدرته على تناول الطعام بالشكل المناسب، وتداري ألمًا يعتصر قلبه بعد الإصابة التي جعلت نجله المدلل حبيس أسرّة العلاج يتأوه ألمًا بدلاً من أن يركض ويلعب كرة القدم؛ هوايته المفضلة التي حرم منها بسبب الغارة الإسرائيلية. أما المسنّة ليلى السيد، جدة الطفل لوالده، فلا تفارق عبد الهادي، ودائمًا ما تجلس إلى جواره في مجمع الشفاء لتمرر إلى معدته الطعام السائل بواسطة الأنبوب الطبي المخصص لذلك. أما فاتن السيد، والدة الطفل، فلا تفارق الدموع عينيها كلما رأت عبد الهادي يتألم بصمت. "كنتُ أحلم أن أراه يكبر، يأكل، يضحك، يلعب كما الأطفال، لكن الآن كل ما أريده هو أن أراه يتناول وجبته الأولى بيديه من جديد."
فلسطين أون لاين