أخبار اليوم - في بيت صغير في مدينة غزة، اجتمع الإخوة الثلاثة يناقشون ما إذا كانوا سيخاطرون بزيارة والدتهم في دير البلح وسط قطاع غزة خلال عيد الفطر. كانت والدتهم قد نزحت إلى هناك بعد تدمير منزلها، وتعيش الآن في منزل شقيقها.
قال حسام العايدي، الأخ الأكبر، وهو يتنفس بعمق: "قلبي يتقطع شوقاً لرؤيتها، لكن الطريق محفوفة بالمخاطر. الغارات لا تتوقف، والطائرات الحربية لا تفارق السماء".
ردّ عليه أخوه الأوسط، محمود، وقد بدا عليه الاضطراب: "لو ذهبنا سنضطر للمبيت هناك. من المستحيل العودة إلى الشمال عند حلول الليل.. القصف يصبح أكثر عنفاً في المساء".
مع كل دقيقة تمر، كان شعورهم بالعجز يتفاقم. الأم وحيدة في دير البلح، تنتظر أولادها بلهفة، في حين يسيطر الخوف من الاستهداف على عقولهم. حاول حسام تهدئة الوضع: "ربما نتصل بها صوتاً وصورة... على الأقل نسمع صوتها ونراها. الحرب حرمتنا حتى من أبسط حقوقنا في العيد".
في تلك اللحظة، جاءت ضربة جوية جديدة، هزت جدران البيت وأعادتهم إلى الواقع القاسي. تبادلوا النظرات دون أن ينبس أحدهم ببنت شفة، وكأن الغارة قطعت آخر خيط من أمل اللقاء.
قال محمود بحسرة: "عيد آخر يمر ونحن مشتتون. الحرب سرقت منا حتى لمّة العيد، وجعلت الخوف يسبق الشوق".
في النهاية، قرر الإخوة أن يبقوا في غزة، فالأمان النسبي هناك كان أولوية في ظل الظروف الراهنة. أرسلوا تسجيل فيديو لوالدتهم، يهنئونها بالعيد ويعتذرون عن الغياب. كان صوت الأم يخرج من الهاتف مرتجفاً بالدموع: "الله يجمعنا قريباً، وتعودون سالمين".
وبينما خيّم الصمت على الغرفة، كان الإخوة يدركون أن الحرب لم تكتفِ بتدمير البيوت، بل امتدت لتمزق أوصال العائلات وتقطع صلات القربى.
ومنذ أن قطع جيش الاحتلال الإسرائيلي طريق صلاح الدين الرئيسي، الذي يربط شمال القطاع بجنوبه، منتصف مارس، توقفت حركة المركبات تماماً. بات الوصول إلى الشمال يتطلب اللجوء إلى الخيار البديل: طريق شارع الرشيد الساحلي، حيث يسمح فقط لعربات الكارو والتوك توك بالحركة.
طريق شاقة
واعتاد بهاء أبو عريبان من مخيم النصيرات وسط قطاع غزة، عند حلول عيد الفطر السعيد، الاستعداد لزيارة شقيقاته في مدينة غزة لتهنئتهم بقدوم العيد.
لقد كان أبو عريبان في كل عيد يجتمع مع إخوته وأبنائهم، يتبادلون التهاني ويحيون صلة الرحم، لكن هذا العيد كان مختلفاً.
ركب أبو عريبان عربة كارو مع ركاب آخرين، محاولاً التماسك أمام صعوبة الرحلة. كان الطريق طويلاً ومُرهقاً، والعربة تهتز تحت وطأة الحجارة والرمال.
قال بصوت متعب: "لم أتخيل يوماً أن زيارة شقيقاتي ستصبح بهذه المشقة. كان الوصول يستغرق نصف ساعة بالسيارة، أما الآن فقد مضت ساعتان وما زلنا في الطريق".
وأشار إلى أن رحلته تعرضت للتوقف عدة مرات بسبب عطل أصاب عربة الكارو، ما زاد من مشقة الرحلة.
وأضاف: "لقد كان العيد فرصة للتلاقي والتزاور والآن أصبح مناسبة المشقة والتعب ومسابقة الوقت من أجل العودة في ضوء الشمس".
معاناة التنقل بين شمال وجنوب القطاع باتت جزءاً من واقع جديد فرضته الحرب. في الطريق، التقت العائلات ببعضها صدفة، وقد غلبت على وجوههم علامات الإرهاق. جلس بعض الأطفال على حافة الطريق، يبكون من التعب، فيما كانت الأمهات يحاولن تهدئتهم ببعض الطعام المتبقي.
المشاهد على طريق الرشيد لم تكن مجرد قصص فردية، بل صورة عامة لمعاناة أهالي غزة في الحفاظ على صلة الرحم خلال الأعياد. العيد الذي كان مناسبة للفرح والتلاقي بات محفوفاً بالتعب والألم.
زيارة ملغية
في مكان آخر، جلست منال قديح (29 عاما) على طرف سريرها في منزلها بمدينة غزة، تتأمل أكياس الهدايا والحلوى التي كانت قد أعدتها لزيارة عائلتها في خان يونس بمناسبة عيد الفطر. كان أطفالها الثلاثة يتحلقون حولها، يتحدثون بحماس عن رؤية أخوالهم وجدتهم، لكن قلبها كان مثقلاً بالخوف.
كانت تتابع الأخبار عن استهداف المارة في الأماكن العامة، فيما الطائرات لا تفارق السماء. وضعت يدها على رأس ابنها الصغير ياسر الذي سأل ببراءة: "ماما، متى سنذهب إلى بيت ستي؟ اشتقت لها كثيراً". شعرت بغصة في قلبها وهي تحاول أن ترسم ابتسامة مطمئنة على وجهها: "ليس الآن يا حبيبي... الطريق خطر".
لم تستطع منال كتمان حزنها أكثر، فجلست قرب النافذة تراقب الشارع الخالي إلا من عربات الكارو القليلة التي تجرها الحمير، تسير ببطء وسط الدمار. كان العيد في غزة مختلفاً هذا العام، بلا زيارات عائلية، ولا فرحة تتسلل إلى القلوب.
"الحرب قتلت كل شيء... حتى بهجة العيد"، قالت منال لصحيفة "فلسطين"، ثم أضافت: "كان العيد يعني اجتماع العائلة، ضحكات الأطفال، وتبادل الهدايا... أما الآن، فكل شيء بات مخيفاً ومُهدداً".
قررت إلغاء الزيارة، فلم تستطع المغامرة بحياتها وحياة أطفالها. اتصلت بوالدتها في خان يونس، وحاولت أن تخفي دموعها وهي تبارك لها بالعيد: "سامحيني يا أمي... لم أستطع المجيء. خوفي عليكم وعلى الأولاد يمنعني".
ردت والدتها بصوت مرتجف: "الله يحميكم يا بنتي... أهم شيء سلامتكم. العيد صار نقمة بدلاً من نعمة".
أغلقت منال الهاتف وهي تشعر بالأسى على عيد فقد معناه، ومراسم كانت جزءاً من حياتهم وتبددت. جلست مع أطفالها، تحاول رسم البهجة بينهم بتوزيع الحلوى، لكن الفراغ كان أكبر من أن تملأه كلمات المواساة.
قالت بحسرة: "لقد سرقوا فرحة العيد منا.. سرقوا طقوسه وصلة الرحم التي كنا نحرص عليها. بات العيد الآن ذكرى مؤلمة، تذكرنا بما كنا نملك وفقدناه".
ظروف قاسية
ومع حلول عيد الفطر، يعيش أهالي غزة ظروفًا قاسية منعتهم من الاحتفال بهذه المناسبة كما اعتادوا لسنوات طويلة. إغلاق المعابر والحصار الإسرائيلي المتواصل جعل من الصعب تأمين أبسط مقومات الحياة.
في الأعياد السابقة، كانت العائلات الغزية تستعد لاستقبال الضيوف بالأطعمة والمشروبات والحلويات، حيث تتزين الطاولات بالمعمول والقهوة والتمر، وتُفتح الأبواب للأهل والأصدقاء لتبادل التهاني. أما هذا العام، فإن العيد جاء مختلفًا تمامًا، حيث يعجز الكثيرون عن تأمين حتى أبسط أنواع الضيافة بسبب نقص المواد الأساسية وارتفاع أسعار ما هو متوفر منها.
محمود عمر أحد من حي النصر بغزة، يصف حالته قائلاً: "لا أملك المال الكافي حتى لشراء الطعام الأساسي، فكيف سأشتري أغراض الضيافة؟ حتى لو كان لدي المال، فإن الأسواق لا تحتوي على ما يمكن شراؤه. بات استقبال الضيوف عبئًا نفسيًا كبيرًا، وأصبحت أشعر بالخجل عندما يأتي أحد للزيارة، لأنني بالكاد أستطيع توفير الماء لعائلتي".
الحصار الإسرائيلي أدى إلى شلل شبه كامل في الحياة الاقتصادية، حيث ارتفعت الأسعار بشكل جنوني. أصبح خيار استضافة الأقارب والاحتفاء بهم رفاهية لا يمكن تحملها في ظل هذه الظروف.
يقول شاكر موسى (55 عاما) وهو أب لأربعة أبناء: "حاولت أن أُظهر الفرحة بالعيد لعائلتي، لكن ماذا أفعل عندما لا أجد ما أقدمه للضيوف سوى الماء؟ حتى الشاي لا أستطيع إعداده، لأنني لا أملك غاز الطهي منذ أسابيع".
لم تعد الفرحة بالعيد تقتصر على تقديم الحلويات والمشروبات، بل أصبحت مرتبطة بأمل الوصول إلى الغذاء والنجاة من الجوع. يضيف بحسرة: "أنا لا أطلب أكثر من حياة كريمة لأطفالي. نريد أن يشعر العالم بمعاناتنا، نريد ضغطًا دوليًا حقيقيًا على الاحتلال لوقف العدوان وكسر الحصار".
في ظل هذه الأزمة، تعتمد آلاف العائلات الغزية على المساعدات الغذائية المقدمة من الجمعيات الخيرية. لكن هذه المساعدات لا تصل إلى الجميع، وإن وصلت فهي بالكاد تكفي لسد رمق الجوع.
حسام كلوب (36 عاما) وهو أحد سكان الشاطئ الشمالي، يروي قصته قائلاً: "لم أكن أملك المال لجلب أي شيء للضيافة، فكيف أستقبل زواري في العيد؟ لكن قبل يوم من العيد، تلقيت رسالة قصيرة من إحدى المؤسسات الإغاثية تخبرني أنني سأحصل على طرد غذائي. عندما فتحته، وجدت فيه كيلوغرامًا واحدًا من التمر، فقررت أن أجعله لضيافة الزائرين". ورغم شح الموارد، إلا أن حسام يحاول التمسك بروح العيد قائلاً: "العيد من الله، وسنفرح به ولو بالقليل. نحن شعب صامد، ولن يكسرنا الاحتلال ولا حصاره".
مع استمرار هذا الوضع المأساوي، يطالب أهالي غزة العالم بالتحرك العاجل لإنهاء الحصار الإسرائيلي والسماح بدخول المواد الغذائية والاحتياجات الأساسية. العيد الذي يُفترض أن يكون مناسبة للفرح، تحوّل في غزة إلى اختبار صعب للصبر والصمود.
فلسطين لأون لاين