د.سلطان إبراهيم العطين
في السنوات الأخيرة، أصبحت المدارس الخاصة في الأردن ظاهرة اجتماعية واقتصادية، تتسابق فيها العائلات لتسجيل أبنائها، ليس فقط من أجل التعليم، بل أحياناً من أجل “الوجاهة الاجتماعية”. تحولت المدارس من مؤسسات تعليمية إلى علامات تجارية تسوّق نفسها عبر مرافق ترفيهية فخمة، وأنشطة خارجية جذابة، وواجهات إعلامية براقة، حتى أصبح التعليم ذاته أداة ترويجية ثانوية لا أكثر.
المدارس الخاصة في كثير من الأحيان لا تبيع المعرفة، بل تبيع “شعور المعرفة”. قاعات فخمة، ملاعب خضراء، ومناهج عالمية بأسماء رنانة، ولكن السؤال الجوهري يبقى: هل يحصل الطالب على تعليم حقيقي؟ أم يتم تخديره برفاهية تستهلك وقته وتضعف قدرته على الانخراط الجاد في تحصيل المعرفة؟
ولعل المفارقة المؤلمة أن كلفة بعض هذه المدارس تفوق كلفة أرقى الجامعات العالمية، في حين أن المردود المعرفي لا يتجاوز في كثير من الأحيان ما يمكن أن يُكتسب من خلال منصات التعليم المفتوح أو الاجتهاد الذاتي.
في المقابل، توجد مدارس حكومية متواضعة من حيث الموارد، كمدرسة “سلمان الفارسي” في الخالدية، تقدم تعليماً حقيقياً يعتمد على جهد الطالب ومعلم ملتزم، دون بهرجة، ولكن بثمرة معرفية واقعية. تخرج هذه المدارس طلاباً مجتهدين، يتحملون المسؤولية، ويطورون قدراتهم الذاتية، حتى وإن عانوا من ضعف لغوي سببه قلة الفرص التفاعلية، وليس ضعفاً في التحصيل.
الضحايا الحقيقيون في هذه المعادلة هم الأطفال، الذين يُربَّون على فكرة أن التعليم ترف، وليس مسؤولية. ينشأ الطفل وهو يعتقد أن المعرفة تُشترى بالمال، وأن التفوق الأكاديمي مظهر اجتماعي، لا ثمرة جهد. ومن المؤسف أن هذه الثقافة تعيد إنتاج الفوارق الطبقية، وتكرّس الفجوة بين “مدارس النخبة” و”مدارس الشعب”.
المطلوب اليوم هو إعادة الاعتبار لمفهوم التعليم الجاد، القائم على تطوير المهارات الفكرية والنقدية للطالب، لا على الترف الشكلي. المطلوب إعادة الاستثمار في التعليم الحكومي، ودعم المعلمين المتميزين، وتغيير ثقافة المجتمع التي اختزلت التعليم في “ماركة مدرسية” بدل أن تراه مسيرة بناء ووعي