سهم محمد العبادي
في كل مرة تقع فيها حادثة مأساوية على طريق من طرقاتنا، لا يتأخر الناس كثيراً… لا للإسعاف، ولا للمساعدة، بل للهاتف النقال! يبدأ التصوير من كل الزوايا، تُبث الجثث على الهواء مباشرة، تُرصد الدماء، تُسجّل أنين المصابين، وتُكشف أرقام السيارات، وتُعلن الأسماء… وكأننا أمام عرض سينمائي حيّ، بلا احترام، بلا رحمة، بلا إنسانية.
نعم، صار الموت مادة إعلامية رائجة، والوجع مشهداً ساخناً على "فيسبوك" و"تيك توك"، يتهافت عليه المتابعون، وتتسابق عليه التعليقات: "الله يرحمه"، "شفتو كيف صار"، "شوفوا الحادث"… وينسى الجميع أن خلف كل مصاب أمّاً تنام بعين واحدة، وأباً ينتظر على الهاتف خبراً يطمئنه، وزوجة لا تدري أن زوجها لن يعود.
صار كثير من الناس للأسف لا يفرّقون بين "السبق الصحفي" و"الطعن العلني بالخصوصية"، بين "النقل الخبري" و"التشهير العاطفي"، بين "الرغبة في التنبيه" و"الشماتة المغلفة بقلوب"! المشكلة أن هؤلاء ليسوا صحفيين ولا من الإعلام بشيء، بل مجرّد هواة يجيدون فتح البث المباشر أكثر مما يجيدون فتح أبواب الرحمة في قلوبهم.
وفي الوقت الذي نغرق فيه بفوضى الكاميرات وأوهام "السبق"، نرى كيف أن بعض الدول العربية، وتحديداً الخليجية منها، تتعامل بصرامة مع هذا السلوك؛ فكل من يُقدم على تصوير الحوادث أو بث صور المصابين دون إذن، يُحال فوراً إلى القضاء، ويُغرّم مبالغ باهظة، بل وقد يُرحّل من البلاد إذا كان مقيماً. لأنهم هناك ببساطة يفهمون أن كرامة الإنسان لا تُنتهك على منصات التواصل، وأن المآسي لا تصلح لأن تكون وجبات سريعة للفضوليين.
أما عندنا، فيبدو أن "فكرة المواطن الصحفي" صارت شماعة جديدة للفوضى… أكذوبة صدقها البعض. لا يوجد في الصحافة شيء اسمه "مواطن صحفي" إلا ضمن سياق تنظيمي مؤطر، لا ضمن فوضى البث المباشر من فوق دماء الناس! الصحافة مهنة لها أخلاقياتها وضوابطها، مش كل من حمل هاتف صار إعلامياً!
ارحمونا… الموت ليس مسرحاً، والمصاب ليس "ترند"، والحادث ليس مناسبة لتسجيل إعجاب أو كسب متابعين. نحن نحتاج إلى وعي، إلى خجل، إلى إنسانية ضاعت بين تعليقات المشاهدين.